الجاحظ

268

رسائل الجاحظ

وزعموا أن كل من اعتقد خلاف النصرانية من المجوس والصابئين والزنادقة فهو معذور ، ما لم يتعمد الباطل ، ويعاند الحق . فإذا صاروا إلى اليهود قضوا عليهم بالمعاندة ، وأخرجوهم من طريق الغلط والشبهة . [ 25 - الرد على النصارى حول مسألة كلام عيسى في المهد ] فصل منه : فأما مسألتهم في كلام عيسى في المهد : ان النصارى مع حبهم لتقوية أمره لا يثبتونه ، وقولهم : إنا تقولناه ورويناه عن غير الثقات ، وأن الدليل على أن عيسى لم يتكلم في المهد أن اليهود لا يعرفونه ، وكذلك المجوس ، وكذلك الهند والخزر والديلم . فنقول في جواب مسألتهم عند إنكارهم كلام المسيح في المهد مولودا . يقال لهم : إنكم حين سويتم المسألة وموهتموها ، ونظمتم ألفاظها ، ظننتم أنكم قد أنجحتم ، وبلغتم غايتكم . ولعمري لئن حسن ظاهرها ، وراع الأسماع مخرجها ، انها لقبيحة المفتش ، سيئة المعري . ولعمري أن لو كانت اليهود تقر لكم بإحياء الأربعة الذين تزعمون ، وإقامة المقعد الذي تدعون ، وإطعام الجمع الكثير من الأرغفة اليسيرة ، وتصيير الماء جمدا ، والمشي على الماء ، ثم أنكرت الكلام في المهد من بين جميع آياته وبراهينه لكان لكم في ذلك مقال ، وإلى الطعن سبيل . فأما وهم يجحدون ذلك أجمع ، فمرة يضحكون ، ومرة يغتاظون ويقولون : إنه صاحب رقى ونيرجات ، ومداوي مجانين ، ومتطبب ، وصاحب حيل وتربص خدع ، وقراءة كتب ، وكان لسنا مسكينا ، ومقتولا مرحوما ، ولقد كان قبل ذلك صياد سمك ، وصاحب شبك ، وكذلك أصحابه . وأنه خرج على مواطأة منهم له ، وأنه لم يكن لرشدة . وأحسنهم قولا ، وألينهم مذهبا من زعم أنه ابن يوسف النجار . وأنه قد كان واطأ ذلك المقعد قبل إقامته بسنين ، حتى إذا شهره بالقعدة ، وعرف موضعه في الزمنى ، مر به في جمع من الناس كأنه لا يريده ، فشكا إليه